سيد محمد طنطاوي
60
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ما أرسلوا به من ذلك « 1 » . والآية الكريمة معطوفة على كلام محذوف يفهم من السياق ، والتقدير : وخرج الملائكة من عند إبراهيم - بعد أن بشروه بغلامه ، وبعد أن أخبروه بوجهتهم - فاتجهوا إلى المدينة التي يسكنها لوط - عليه السلام - وقومه . فلما دخلوا عليه قال لهم : « إنكم قوم منكرون » . أي : إنكم قوم غير معروفين لي ، لأنى لم يسبق لي أن رأيتكم ، ولا أدرى من أي الأقوام أنتم ، ولا أعرف الغرض الذي من أجله أتيتم ، وإن نفسي ليساورها الخوف والقلق من وجودكم عندي . . . ويبدو أن لوطا - عليه السلام - قد قال لهم هذا الكلام بضيق نفس ، لأنه يعرف شذوذ المجرمين من قومه ، ويخشى أن يعلموا بوجود هؤلاء الضيوف أصحاب الوجوه الجميلة عنده ، فيعتدوا عليهم دون أن يملك الدفاع عنهم . . . وقد صرح القرآن الكريم بهذا الضيق النفسي ، الذي اعترى لوطا بسبب وجود هؤلاء الضيوف عنده ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ولَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ، وقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ « 2 » . وقال - سبحانه - : * ( فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ ) * مع أن المجيء كان للوط - عليه السلام - والخطاب كان معه ، تشريفا وتكريما للمؤمنين من قوم لوط ، فكأنهم كانوا حاضرين ومشاهدين لوجود الملائكة بينهم ، ولما دار بينهم وبين لوط - عليه السلام - . وقوله - سبحانه - : * ( قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيه يَمْتَرُونَ . وأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وإِنَّا لَصادِقُونَ ) * . حكاية لما رد به الملائكة على لوط ، لكي يزيلوا ضيقه بهم ، وكراهيته لوجودهم عنده . وقوله * ( يَمْتَرُونَ ) * من الامتراء ، وهو الشك الذي يدفع الإنسان إلى المجادلة المبنية على الأوهام لا على الحقائق . وهو - كما يقول الإمام الفخر الرازي - مأخوذ من قول العرب : مريت الناقة والشاة إذا أردت حلبها ، فكأن الشاك يجتذب بشكه مراء ، كاللبن الذي يجتذب عند الحلب . يقال : قد ماري فلان فلانا ، إذا جادله كأنه يستخرج غضبه » « 3 » .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 62 . ( 2 ) سورة هود الآية 77 . ( 3 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 80 .